وجع البعاد بقلمي سارة مجدي

عادت من أفكارها حين أنحدرت تلك الدمعه التي جرحت عينيها وقلبها .. وهي تقول لنفسها:
-ايه اللي غيرك يا هلال؟ وليه يا ولد خالتي؟
زنظرت الي السماء عبر نافذتها الصغيره وقالت:
-أنت فين يا هلال تهوت فين وميتى هترچع؟
……………
وقف الرجال يتحدثون بصوت منخفض خشيه من ان يستمع لهم جبل .. أنهم لا يريدون اغضابه … أكثر مما هو غاضب .. اليوم من كل عام يصل غضب جبل الي أشده والجميع يحاول تلاشيه … لكن ما يقوله لهم عسران الان هو درب من الجنون .. لا يعلمون كيف فكر في انه يستطيع فعل هذا؟ فقال أحدهم ببعض الغضب
-أنت عتجول أيه يا عسران؟ أنت خابر چبل هيعمل فينا ايه لو عرف؟
ابتلع عسران ريقه ببعض التوتر وقال:
-اني خابر يا توفيج وخابر كمان ان في اليوم الشوم ده مهيخرجش من مخبئه وأحنا اللي بنعملو كل حاچة .. وعلشان اكده انا بجولكم ان الحكايه في يدنا
التفت ينظر في عيون كل الواقفين حوله وأكمل موضحًا:
-احنا هنتخبى عن عيون چبل ونروح نسهروا عند غوايش وننبسط .. والكل هيجول اننا ادلينا البلد ولما نعاودوا في الفچرية هنجوله ان كل حاچة عال العال.
ضيق عينيه وأكمل بصوت منخفض لكن كانت هناك أبتسامه واسه تزين ثغره:
-ومع كل الانبساط ده كل واحد فيكم هياخد فلوس كاتير جوي جوي .. وكمان اني هاخد اللي اني عايزه.
لمعت عيونهم بعد حديث عسران وبدأو في التفكير بشكل جدي في الأمر حتى عاد توفيق يقول:
-أنت إكده بتجلل من خطر چبل و دماغه الواعيه .. لكن أني معاك .. بس أرمي بياضك يا عسران.
ليخرج عسران من جيب جلبابه حقيبه صغيره وفتحها ليخرج منها الكثير من المال وقال:
-الخير كاتير يا توفيج .. كاتير جوي.
وبالفعل تم توزيع المال .. وذهبوا جميعًا حتى ينفذوا ما أتفقوا عليه
………………………
وبداخل أحضان الجبل كان يجلس “جبل” في إحدى الأركان مغمض العينين … قلبه الذي أصبح مثل حجاره الجبل أو أشد قسوه .. يبكي الان بحصره .. وتلك الذكرى البعيده تعود من جديد .. ويعود  معها الألم والحزن من جديد ويشق القلب بنفس السكين .. وتلك الصوره الاخيره التي جعلت جبل يسكن الجبال ويصبح من سكانه واهله .. حتى أصبح زعيمهم تعود اليه بكل قسوه .. خاصه وصوت دحروج الذي يأتي له من بعيد يقول:
جالولي جلبك مات
جولت الزمن جساه
مليان وجع وآهات
ولا جادر اجول الآه
ليتأوه “جبل” بصوت عالي وكلمات دحروج تترد داخل قلبه وصدره .. تجعل الذكريات بكل ما تحمل من ألم وحصره تعود لتتجسد أمامه من جديد وأكانها تحدث الان

يسير بين الأرض يباشر العمل فيها .. هكذا يظنه كل من يراه لكنه في الحقيقه يقف ليتابع تلك الجنية الصغيره التي تساعد والدتها في جمع المحصول .. يتأمل عيونها العسليه وخصلاتها البنيه التي تظهر من أطراف وشاحها .. ضحكتها التي خطفت أنظاره من اول لحظه .. ثم خطفت قلبه دون رجعه.
هو “جبل التهامي” أبن كبير البلده وعمدتها وقع صريع غرام “رموز”
كان يذهب الي الأرض كل يوم في عاده أصبحت يوميه بعد أن كان يرفض تمامًا أن يذهب الي هناك .. ويقول بأنه يرتاد المدرسه في مركز المحافظه وسوف يصبح مهندسًا ذات يوم .. الان أصبحت الأرض و المحصول الذي يجمع من الأرض أهم من كل شيء
مرت الأيام وهو يتابعها من بعيد .. يتأمل حركاتها .. حتى حفظ قلبه سكناتها وهمساتها .. كان يتابعها من بعيد وهو يفكر …. ان اليوم هو الاخير عليه ان يعود الي دراسته في الغد .. ولكن كيف يعود فهو لم يكن نفس الفتى الذي حضر منذ اسبوعين .. لقد أختلف كل شيء .. أخذ نفس عميق وهو يشجع نفسه على الاقتراب منها .. أن يحاول التحدث معها .. عليه ان يقول لها كل ما بداخل قلبه قبل أن يسافر
وقف خلفها وقال:
-أجمعي المحصول بسرعه
أنتفضت واقفه تنظر اليه ببعض الخوف والكثير من الخجل .. ليقول من جديد:
-ولا أنتِ فاكره أنك علشان جميله وحلوه فاكره اننا هنسيبك تدلعي ومش هنعاقبك
أبتسمت بخجل وهي تغطي وجهها بطرف وشاحها .. ليعود من جديد ليقول:
-رموز انا عندي كلام كتير عايز أقوله ليكي هستناكي عند الساقية الكبيرة.
أومأت بنعم وهي مازالت تغطي وجهها بوشاحها ليقول من جديد:
-اوعي تتأخري عليا .. انا هستناكي.
وتحرك من امامها ينادي على الغفير الذي يقف عند بداية الأرض وقال:
-انا راجع على دوار العمده.
ليركض الغفير خلفه في محاوله منه للحاق به بعد أن صعد الي فرسه وبدأ بالركض بعيداً وخلال ثوان لم يعد في مرمى بصر الغفير الذي أكمل ركض حتى بيت العمده ظنًا منه انه يتوجه الي هناك.
أوقف حصانه وقفز من فوقه ليقف على الأرض بسعادة كبيره .. اليوم سوف يتحدث معها يخبرها بكل ما بداخل قلبه والذي كان يخبئه منذ أكثر من ثلاث سنوات .. فهو فقد قلبه منذ ذلك اليوم الذي رأها تركض خلف إحدى الفراشات البيضاء .. أمام بيتهم .. كان بداخل سياره العمدة عائدًا من العاصمه … بجلباب مزرقش وضفيرة طويله تتطاير خلفها بسعادة وأبتسامتها التي تشبه الفجر الوليد الذي يزرع الأمل في القلوب دون مجهود ومنذ تلك اللحظه تعلق قلبه الصغير بها .. ينتظر أيام الاجازات بشوق كبير .. ويكتفي فقط طوال أيام أجازته بمتابعتها من بعيد .. ثلاث سنوات يزداد بداخله ذلك الاحساس … انه متعلق بها بشكل لا يستطيع عقله المراهق ان يفهمه .. ويفسره أيضًا
عاد من أفكاره على صوت خطواتها المتردده تقترب منه .. ليعتدل في وقفته ينظر إليها كانت تخبئ وجهها بطرف شالها .. وحين وقفت أمامه قال هو بلهفه:
-ازيك يا رموز؟
رفعت عيونها اليه وقالت بهمس:
-كويسه يا سي چبل.
نظر جبل من حوله يتأكد ان المكان خالي وقال بسعادة:
-انا مبسوط إنك جيتي ومتأخرتيش على جبل .. انا عايزه أقولك كلام كتير علشان مسافر بكره.
كانت تطلع في وجه بعيونها البريئه والتي تفعل الافاعيل بقلبه .. قلبه الصغير الذي لا يعرف بالتحديد هل ما يشعر به الان هو حب .. أم مجرد إفتنان بعيونها البريئة
-ولما هروح العاصمة هجبلك هديه حلوه زيك.
لتبتسم رموز بخجل … وعلى أثر تلك الابتسامة أبتسم جبل بسعادة وبدء يخبرها بكم يحبها وتعلق قلبه بها .. منذ أول مره رأها تركض خلف الفراشه البيضاء وكانت هي تستمع اليه وهي تبتسم من خلف وشاحها التي تخبه به وجهها .. أقترب منها خطوه وأكمل قائلا:
-عايزك تيجي هنا كل يوم خميس بعد العصر وتستنيني .. توعديني؟
أومأت بنعم .. لتتسع أبتسامته وهو يمد يده ليأخذ مشبك شعرها وقال:
-هاخد ده تذكار تفضل معايا علشان أحس انك معايا ديما ولما ارجع هجيبلك الهديه اللي وعدتك بيها.
مرت الأيام وكانت “رموز” تذهب الي الساقية الكبيرة كل خميس بعد صلاه العصر .. تنتظر هناك .. لا تعلم إذا كانت تنتظر جبل أم انه مجرد فضول لتلك الهدية الذي وعدها بها.
وفي إحدى الأيام وهي في طريقها الي ذلك المكان كالعادة … وبداخلها إحساس ان اليوم هو يوم اللقاء .. لا تعلم سبب ذلك لكن أصرارها على الذهاب رغم أعتراض والدتها ووصفها “بالهبلاء” و بأن النداهه سوف تخرج لها في يوم ما .. جلست أسفك الشجرة الكبيرة تنظر الي الساقية وهي تدور وخرير الماء يجعلها تشعر براحة لا تستطيع وصفها .. التفتت الي الخلف وكانها شعرت ان هناك شيء ما خلفها لكنها لم تجد شيء فعادت لتنظر الي الساقية من جديد لكنها صرخت بصوت عالي وهي تجد أمامها ثلاث شباب من أهل البلده ينظرون لها بعيون يملئها الشر .. وقبل أن تصرخ هجم احدهم عليها يكمم فمها بوشاحها و بالباقي منه ربط ذراعيها والاخر مزق ملابسها وبدون رحمه او شفقه تناوبوا الثلاث عليها بوحشيه وقسوة … ثم تركوها الثلاث فاقده للوعي تنزف بشدة دون أن يشعر بها أحد … لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد .. توقفت سيارة جبل عند الساقية وترجل منها سريعًا متلهفًا لرؤيتها .. وأن يجدها تنفذ ما طلبه منه وبين يديه الهدية التي وعدها بها .. لكن الصدمه هي ما كانت في انتظاره والالم .. وحصره ضياع الحلم وهو يرى من سكنت قلبه ممده أرضًا ممزقه الملابس والدماء تسيل بين ساقيها وفمها مكمم بوشاحها وعنقها
ليسقط أرضًا على ركبتيه والدموع تسيل فوق وجنتيه بصدمه .. ظل ينظر اليها وقلبه يتمزق الي اشلاء بلا رحمه .. أقترب منها وهو يقول بصوت باكي:
-رموز .. رموز انا جيت … انا ..جي.. جييت يا رمو .. رموز ميييين .. مين اللي عمل فيكي كده؟ رمووووووز
ولم يشعر بنفسه إلا وهو يضمها بين ذراعيه يصرخ بكل القهر الذي يشعر به مما مرت به وحدث لها وخسارتها التي قسمت قلبه وشوهت روحه وقلبه .. صرخ حتى يعلم كل من على الأرض بموت ملاك برئ هتك عرضه وتألم دون رحمه او شفقه .. ليصل صوته لبعض الماره الذين أقتربوا منهم وحين رأوا ما يحدث ليركض أحدهم وبدء يصرخ بصوت عالي
-چبل أبن العمدة جتل رموز … چبل أبن العمدة جتل رموز
ولم يكن أمام العمدة اي حلول .. كان لابد ان يسلم ع للشرطة أو يتركه يهرب بعيدًا … وهذا ما حدث رغمًا عنه ف حين أخذ القرار وذهب لغرفه أبنه حتى يخبره بذلك لم يجده
بدء الجميع يبحث عنه الشرطه من جه.. والغفر من جه أخرى .. وبعض شباب البلده الذين صدقوا قصه قتـ,ـله ل “رموز” من جه
عاد من أفكاره حين وصله صوت دحروج يقول من جديد ويده تمسك بمشبكها الذكرى الوحيده الباقيه له منها:
في ناس عيشاها ظلم وچور
وناس افاعلها كلها فچور
وناس عايشة في ذكر الله
عشان عرفاه طريجه نور
اليوم هو ذكرى وفاه “رموز” ذكرى انتهاء حياتها وحياته .. بل أنها ذهبت الي الرحمن الرحيم .. لكن هو ظل على قيد الحياه .. جسد يكبر ويشتد عوده يومًا بعد يوم منذ وصل الي هنا .. حين وجده “بكير” كبير المطاريد .. وأخذه معه الي عمق الجبل .. وحين علم بما حدث معه قرر ان يبقيه بجانبه .. ويهتم به عامله وكأنه أبنه و الان أصبح هو كبير المطاريد .. وانتقامًا من كل أهل البلده امام وفاه رموز يقـ,ـتل ثلاث فتايات بعد ان يتم اختطافهم و الاعتداء عليهم كما حدث في رموز .. وليجعل الجميع يتزوقون كأس الالم كما تزوقه هو … ويزيق تلك الفتايات نفس كأس الخوف الذي شعرت به “رموز” قبل وفاتها
وكان هذا انتقامه مما حدث معه في الماضي وما يدفع اهل البلده كلها ثمنه الان
…………
حين أنتهى الجميع من تناول الطعام .. وتمايل الجميع مع صوت المنشد في مدح النبي والابتهال الي الله .. وقف شامل أمام مجاهد وقال بأستفهام:
-من ميتى يا ابن الحچ مندور تتعارك في السوج؟
أخفض مجاهد رأسه بخجل رجولي وقال بصدق:
-اللي حوصل يا شامل مجدرتش أسكت عليه
أبتسم شامل بمرح فهو يعلم جيدًا بحب مجاهد ل رقه .. ولا يتحمل أن ينظر اليها اي شخص .. لكن ما لا يعرفه لماذا لم يتقدم الي خطبتها .. لكنه لم يستطع أن يكبح جماح سؤاله
-روح أخطبها يا مچاهد وريح جلبك وروحك
رفع مجاهد عينيه ينظر الي شامل ويديه تتمسك بسبحته بقوه وقال بصدق:
-الله وحده عالم أني اتمنى ده يوحصل النهارده جبل بكره بس هلال ولد خالتها مش في البلد
-وصل النهاردة يا شيخ وانا شايف يا صاحبي انك تروح له على طول ومتتأخرش بكفياك وچع جلب
لمعت عيون مجاهد بسعادة شعر به صديقه .. ليقول مجاهد:
-وأنت يا شامل ميتى هتحجج حلمك وتتچوز اللي في بالك؟
أغمض شامل عينيه ببعض الالم وقال بحزن:
-الحچ مش جابل بيها يا مچاهد وانت خابر زين اني مجدرش أعمل اللي يغضبه .. لكن كماني مهجدرش اتچوز غيرها زي ما هو رايد
أشفق مجاهد على صديقه وهو يرى الالم الواضح في عينيه وحديثه .. لكنه لم يكن في يده شيء يقدمه له سوا الدعاء بأن يريح الله قلبه بوصال قريب مع من تعلقت بها روحه وسكنت قلبه
…………..
وقفت رايه خلف الست جليله التى تباشر نقل والده الاولى الي مستشفى المحافظه ..متكفله الثانيه بكافه المصاريف ..  لقد أقترب منتصف الليل .. وتريد أن تنتهي من كل هذا حتى تتفرغ لما سيحدث غدًا.. وليس هناك حجه لأختفاء رايه أفضل من بقائها مع والدتها التي يتم نقلها للمستشفى الان
أبتست جليله وهي ترى أمام عيونها خـ,ـطتها تتم كما تريد وتحلم … وحين انتهوا من كل شيء أمام نظرات الجميع .. الذين يتحدثون عن كرم جليله التي تكفلت بعلاج والده رايه … والليله التي أوشكت على الأنتهاء وجميع بناتهم بخير
كم كان يسعدها كل تلك الهمسات التي يصل بعضها لها تأكد لها نجاح خطتها … حين أنتهى كل شيء ورحلت سياره الاسعاف التي من النادر حضورها الي تلك القريه الصغيره او حتى لشبيهاتها من القرى … وهي تحمل بداخلها رايه
حان موعد الخطوه التاليه .. وهذه الخطوه ليست هي من ستقوم بها .. ولكن عليها ان تستعد للخطوه الاهم
……………
توقفت سياره الاسعاف عن سيرها بسبب جزع الشجرة الكبير الموجود في الطريق وترجل السائق والطبيب حتى يرفعوه ويكملوا سيرهم صحيح هم يشعرون بالخوف لكن ماذا سيفعل السارقين الذين يستخدمون تلك الطريقه بسيارة إسعاف … وبهدوء تحرك عسران ومن معه وفي ثواني قليله كان كل شيء قد أنتهى حين عاد الطبيب الي السياره بعد رفعهم للجزء لم يجد رايه في السيارة ظل يتلفت حوله بأندهش وصدمه … لكن تأوه المريضه جعله يصعد الي السيارة ويغلق الباب … انه يخاف حقًا من تلك الطرق .. منذ كان صغير يستمع عن قصه النداهه وأنها تسكن جوار اي نبع ماء .. وتحب الظلام وليس هناك ظلام أكثر مما هم فيه الان وبجانب تلك الترعه إذاً فقد ندهتها النداهه فلا يوجد تفسير لأختفائها غير ذلك.
…………….

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0