وجع البعاد بقلمي سارة مجدي

مقدمة
خـ,ـطوات قويه يصدح صداها في سكون الليل … يملىء القلوب رعبًا وخوفًا .. يصاحبها خيال طويل يقترب منهم ترسمه تلك النيران المشتعله في كل ركن من أركان المكان التي تنيره بالستنها التي تتراقص بقوة إثر الهواء القوي القادم من بوابه تلك المغارة .. هنا في حضن ذلك الجبل الكبير الذي يضم أخطر الرجال وأشدهم بئسًا
-النهاردة اللي جولته كله يتنفذ … ومش عايز تأخير عايز أسمع صوت العويل من اهنه أنتو سامعين
……………….
يا بعيد عن العين يا نور العين يا ضي الحق
طول ما احنا عايشين علي بابك ح ننزل دق
لحد ما تبان لنا و ليلنا الطويل ينشق
وان فج نور فجرنا تضحك قلوب العباد
واهين يا وجع البعاد
يا بعيد عن العين يا سـ,ـاكن جوه ارواحنا
وجع البعاد في ليالي الشوق يطوحنا
نحلم نلاقيك .. لكن الريح يسوحنا
هوه احنا نوحنا غير لما الوجـ,ـع فينـ,ـا زاد
واه يا وجع البعاد

البداية

في احدى مدن الصعيد وخاصه تلك المدينه الجميلة وبالتحديد في احدى القرى الصغيرة التي مازال اهلها يتمسك بالعادات القديمة الباليه رافضين رفضًا تامًا اي شكل اخر غير ما توارثوه عن ابائهم وأجدادهم مصدقين ان كل ما يحدث حولهم من تمدن ما هو الا شر كبير ولن يأتي من خلفه الا الخراب
تسير بخطواتها الخجله تحمل فوق رأسها ذلك السبت الكبير .. تشعر بالاجهاد ورغم ضئاله حجمها الا انها تحمله بثبات وقوه
لقد تأخرت اليوم في السوق كثيرًا ومؤكد سوف توبخها خالتها “نصره” على ذلك لكن ليس بيدها شيء .. وهل كانت هي السبب في تلك المـ,ـشاجرة التي حدثت بين “مجاهد” أبن الشيخ مندور وبين ذلك الشاب الغريب؟ .. والذي على أثرها تحول السوق لساحة حرب كبيرة جعلت الخضروات تتبعثر على الأرض وفي كل مكان أمام عيون البائعين المتحصرين عليها … مرت دقائق والكل يضع يده فوق قلبه وهم يرون “الشيخ مجاهد” يخرج عن هدؤه المعتاد ويتعدى بالضـ,ـرب على أحدهم … وبعد هدوء تلك الحرب بدء البائعون في لملمه بضـ,ـاعتهم وهم يحسـ,ـننون على من كان السبب .. لكن ما لم تفهمه هي نظره مجاهد لها قبل ان يغادر السوق .. وكأنه يقول لها ( أنتِ السبب) كشرت ملامحمها قليلا وقالت لنفسها
( وأني مالي انا ماشيه في حالي وبشتري الخضار  مالي اني ومال الخناج)
لوت فمها كالاطفال وقالت بـ,ـحزن:
-كل حاچه من تحت راس رجه .. مـ,ـوت ابوي وأمي والعاركه اللي في السوج ويمكن كمان انا سبب حرب العراج .. ربنا يريحكم من رجه ونحس رجه
……………
وصلت أخيرا الي أمام البيت ونادت بصوت عالي:
-يا خالتي .. يا خالتي نصره تعالي حططتيني السبت تجيل.
خرجت نصره بجسدها الممتلئ قليلًا وقالت ببعض اللوم:
-كل ده في السوج يا رجه .. مفيش مره تروحي السوج وترچعي على طول من غير لكاعه
ساعدتها على وضع السبت على الأرض وقالت وهي تمسد رأسها من ثقل السبت وقالت:
-كانت في عاركه كبيره جوي في السوق وعلى مرچع السوج زي الاول اخدوا وجت … ذنبي اني ايه بجى.
لوت نصره فمها وهي تقول ببعض اللوم المرح:
-مش باينه من الأرض ولسانك تتلفحي بيه
رفعت رقه شفـ,ـتيها الي الاعلى وقالت ببعض اللوم المرح:
-طالعه لخالتي .. يا خالتي
ومرت من جوارها وهي تقول بتوضيح:
-هغير خلجاتي واچي اعمل الغدا
-لع خلصي صلاه واغسلي الخلجات دي هلال چاي النهارده وعايزه الدار يلمع من النـ,ـظافه
أوضحت نصره سريعًا .. فأومأت رقه بنعم ودخلت الي غرفتها وهي تفكر .. “هلال” قادم اليوم سوف تعود الي الصمـ,ـت من جديد .. سوف تشعر بالاختناق من جديد .. رفعت عيونها الي سقف الغرفه وهي تقول بتوسل:
-مليش غيرك يا كريم أرحم جلبي الضعيف
حين انتهت من صلاتها .. أرتدت جلباب بأكمام طويله وربطت شعرها بمنديل صغير ووضعت الوشـ,ـاح الطويل حول رقبتها تحفزًا لقدومه … غادرت الغرفه .. ومبـ,ـاشرة جـ,ـلست أمام ذلك ” الطشط ” الكبير حتى تحاول الانتهاء من الغـ,ـسيل سريعًا
كانت نصره تعد الطعام وهي منشـ,ـغله تمامًا عن تلك الواجمة .. والذي يتحول حالها تمامًا في وجود هلال
………………………………….
-رايه .. رايه
بصوت عالي نادت الست جليله على تلك الفتاه التي تقف فى حديقه منزلها .. تحاول الوصل الي احدى عناقيد العنب التي تتدلى بشكل مغري أمامها لكن حين وصلها صوت جليله
التفتت تنظر اليها بخجل وقالت بصوت ضعيف:
-اني اسفه يا ست چليلة راچعه للشغل اها
وتحركت خطوتان لكن صوت جليله عاد من جديد:
-لع .. تعالي يا رايه انا عايزاكي
وعادت الي داخل المنزل الكبير الذي يشبه السرايات .. لتسير رايه خطواتها في اتجاه السـ,ـرايه وهي تفكر .. ماذا تريد منها الست جليله الان؟ ماذا فعلت؟ هل النظر الي عناقيد العنب أصبح جرم وعليها ان تعـ,ـاقب عليه الان؟
عبرت باب السرايه الكبير وعيونها تشاهد كل شيء بأنبهار وكأنها تدخل اليها لأول مره .. لكن حين بدأت تقع الست جليله في مرمى بصرها أخفضت نظرها أرضًا حتى وقفت أمامها وهي تقول:
-خدامتك يا ست چليلة.
ظلت جليله تنظر اليها وهي تفكر ..هل ما ستقوم به صحيح؟ أم إنها تخطأ لكن؛ ماذا بيدها ؟ إذا كانت تريد ان تصل لما تريد عليها فعل ذلك .. شمخت برأسها كما أعتادوا عليها حين تتحدث وقالت:
-امك لساتها تعبانه؟
-على حطه يدك يا ست ناس
اجابت رايه وهي تنظر أرضًا كما هي .. لتقول جليله من جديد:
-معرفاش لسه توفري فلوس علشان علاچها
ظلت رايه صامته لعده ثوان ثم قالت بحزن شديد:
-والله يا ست چليلة بشتغل كتير بس العين بصيره والايد جصيره
أومأت جليله بنعم وأبتسامه سعادة ترتسم على ملامحها وهي تقول:
-إذا كان جدامي شغلانه ليكي هتكسبي من وراها كتير وتجدري تچيبي لأمك الحكيم وأكل مليح .. هتجولي ايه؟
رفعت رايه عيونها تنظر الي جليله وقالت بعدم تصديق:
-صُح الحديت ده يا ست جليلة
أومأت جليله بنعم ف أقتربت منها سريعًا وجلست على ركبتيها أمامها وهي تقول برجاء وتوسل:
-انا من يدك دي ليدك دي
رفع جليله رأسها بسعادة وها هي سوف تتخلص من ذلك القلق الذي يسكن قلبها .. عليها أن تنهي الامر قبل ان يحل ظلام ذلك اليوم والا لن تستطيع السيطره من جديد على القرية ومن فيها .. فالجميع ينتظر ذلك اليوم خاصه بعد ما حدث
منذ سنه والجميع كان مجتمع في ذلك الصوان الكبير الذي يقيمه عائله دبور .. ويقوم كبيرهم سليمان دبور بذبح الذبائح وتوزيعها على الفقراء تحت إشراف أبنه الوحيد شامل .. ويحضر المنشدين ليحيون تلك الليله بالإنشاد في حب رسول الله ﷺ بعد ذلك الهجوم الذي حل عليهم من قطاع الطريق ساكني الجبل .. واختفاء ثلاث فتايات لا يعلم مصيرهم الا الله … قررت جليله في ذلك الوقت انه قد حان الموعد ان تلقي بشبكتها على اهل البلد .. وتحقق ما كانت تحلم به .. وهو سحب البساط من أسفل قدمي شامل دبور ووالده وأن تصبح هي سيدة البلده بلا منازع رغبه منها في كـ,ـسره كما كسـ,ـر قلبها .. وبالفعل جلعت بعض من أتباعها ينشر شائعه كونها صعدت الي الجبل حتى تتافهم مع ساكنيه على حل لكل حالات الخطف تلك .. وانها لديها سلطه قويه وكبيره من الجان الذي ساعدها على الصعود الي الجبل والنزول سريعًا دون ان يلاحظ اهل البلده وقد وصلت لحل بالفعل والجميع سيكتشف ذلك في وقته.
وككل يوم في نفس المعاد يمتلئ الصوان أمام بيت الحج سليمان دبور وتذبح الذبائح .. بحضور رجال البلده وفي غـ,ـياب تام للنساء .. ولكن الجميع في ترقب لرؤيه ما سيحدث هذا العام بعد ما قامت به جليله .. والذي يصدقه البعض ويكذبه البعض ويرفضه تمامًا البعض الأخر أقترب مجاهد من مكان وقوف شامل وقال بهدوء
-السلام عليكم يا شامل دايمًا عامر بحس الحچ سليمان وحسك يا صاحبي
أبتسم شامل وهو ينظر الي أبن الشيخ مندور صديقه الصدوق .. منذ الطفوله وقال بترحيب:
-وعليم السلام يا شيخ مچاهد حلت البركه على الصوان.
أخفض مجاهد عيونه أرضًا وهو يقول بخجل رجولي .. وأدب الشيخ تيمور الذي يراه يتجسد أمامه كلما وقعت عينيه على مجاهد.
-أنتم اهل الكرم يا شامل بارك الله لكم في اموالكم وعمر الحچ سليمان
ليبدء مجاهد مباشره بعد رده الخجول على كلمات شامل في مساعده الشباب في توزيع الطعام على الطاولات .. وبدء بكبار البلد وعلى رأسم العمدة .. والحج سليمان دبور.. في نفس الوقت الذي أرتفع فيه صوت المنشد
عيني لغير جمالكم لا تنظر وسواكمُ في خاطري لا يخطرو وجميع فكرى فيكمُ دون الورى وعلى محبتكم أموت وأحشر
يا سادة قلبي بهم متعلق أبدا وعنكم ساعة لا أصبر
إن نمت كنتم في المنام معي وإن في يقظتى قد كنت فيكم أبصر
لا فرق ما بيني وبين خيالكم إن غـ,ـاب غبتم وإن حضرتم أحضر
إثنان نحن وفى الحقيقة واحد لكن أنا الأدنى وأنت الأكبر
ولعل لطفك أن يداركني فقد أقللت من أدنى وإني الأحقر
سبحانك اللهم يا ملك الورى إني بجاهك في الورى أستنصر
ولقد جعلت وسيلتي لك سيد أرسلته بالحق دينك يظهر
وهو النبي محمد دون الورى منك الصلاة عليه ليست تحصر
……………
ظلت رقه في غرفتها منذ وصول هلال الي البيت .. نظراته المتعاليه لها ولكل شيء تقع عينيه عليها تجرح قلبها وكرامتها .. لقد تبدل تمامًا منذ ذهب الي العاصمة وهو أصبح يرى ان بلدتهم لا تليق على مكانته التي لا تعلم ما الميزه فيها هو مجرد محاسب في أحدى الشركات الكبرى .. صحيح هي لا تعلم ماذا تعني محاسب ولكن هي ترى باقي شباب البلده الذين كسروا العادات وغادروا البلده وذهبوا للدراسه والعمل في العاصمه عادوا ولم يتغير بهم شيء حتى لهجتهم كما هي لماذا تبدل هو
وضعت يديها فوق قلبها الذي يأن من الالم .. بسبب نظراته لها وحديثه الذي جرحها … أغمضت عيونها وهي تتذكرما حدث
طرقات على باب المنزل لحقتها بهروله نصره اليه تفتحه وهي تقول:
-ابني هلال
فتحت الباب والابتسامة تزين وجهها بسعادة كبيره … حين قابلها هلال بوجه الذي أصبح عابس طوال الوقت .. المتأفف من الجو الحار أحيانًا .. او من التراب الذي يملىء الشوارع .. أو الطرق الغير ممهده .. لكنه ضم أمه ببعض الشوق وهو يقول:
-وحشتيني يا نصره.. عامله ايه؟
ضمته نصره من جديد وهي تقول بسعادة كبيره:
-بجيت كويسه لما شوفتك يا جلب أمك
ربتت على ظهره عده مرات وهي تقول:
-تعالي يا ضي عيني عملتلك كل الوكل اللي أنت بتحبه يا حبيبي
خطى داخل البيت يجر خلفه حقيبته وحين وقعت عينيه على “رقه” القى لها الحقيبه وقال ببرود دون حتى ان يلقي عليها السلام
-اغسلي كل الهدوم اللي في الشنطه
وتخطاها بعده خطوات ثم التفت اليها وأكمل قائلا:
-وياريت تحافظي عليهم لان كلهم سنيهات وغالين جدًا.
قطبت جبينها وهي تشعر بالألم من كلماته ونظراته … لكن من أجل خالتها سوف تصمت .. أخذت الحقيبه ودلفت الى غرفه الغسيل وباشرت في أخراج الملابس وغسلها

السابقانت في الصفحة 1 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0