مزرعة الذئب بقلمي سارة مجدي

وقف فوكس على قدميه بتحفز حين وصله صوت سيدة الحزين، ليربت سديم على رأسه بحنان وقال برفق:
– أطمئن فوكس، انا بخير.
ليعود فوكس الي مكانه، رأسه اسفل قدم سديم بهدوء، واسترخاء، كانت لين تتابع ما يحدث بأعجاب شديد بسبب تلك العلاقه المميزة بينهم
اخذ سديم نفس عميق قائلا دون ان ينظر اليها:
– حين كنت صغيرًا كانت تلك المزرعة من أجمل المزارع في البلدة بأكملها، كان والدي يهتم بها كثيرًا، خاصة وان والدتي كانت تعشق كل ما هو أخضر، وتعشق الزهور.
وقف على قدميه وتحرك يدور حول الكرسي بعد ان ربت على رأس فوكس حتى يظل كما هو، ووقف خلفها يكمل كلماته:
– كانت حياتنا بسيطة، هادئه، بحب والداي، كانت الابتسامه لا تفارق وجهي، لا أتذكر انني شعرت يومًا بالخوف، حتى ذلك اليوم المشئوم.
وقفت تنظر اليه بأهتمام، لتلتقي عيونهم في حديث صامت لعده ثوان حتى قال:
– ذات يوم كنت أجلس كعادتي على أرضية المطبخ أرسم، ووالدتي تعد الطعام، الذي تملىء رائحته المميزة ارجاء البيت بأكمله، تشعرني بالسعادة و الأمان، وصل إلينا صوت والدي الغاضب، لأول مرة ينتفض جسدي خوفًا من صوت والدي، لأول مرة ارى القلق يرتسم على ملامح والدتي الهادئه، والمبتسمة دائما.
اخفض عينيه أرضًا وأكمل كلماته بصوت حزين، يحمل الكثير من الألم، الم يظهر بوضوح داخل عينيه :
– منذ ذلك الوقت أختفى الأمان من حياتنا، وتوارت الابتسامة خلف أكوام من الحزن، والقلق، والتوتر، أصبح والدي شديد العصبيه، دائما يصرخ على كل شيء مهما كان بسيط، لم يعد يلعب معي، فقط يصرخ في وجهي ويطلب مني الرحيل مبتعدا عنه.
تحرك من أمامها حتى يعود ليجلس على مقعده من جديد، ولكنه انحنى يداعب حيوانه الاليف، وظل صامت لكن الفضول غلبها، ولم تحتمل ذلك الصمت فقالت:
– وما سبب كل هذه التغيرات، وما علاقه كل هذا بكل تلك القصص التي تقال عن مزرعة الذئب؟
ليرفع عيونه ينظر اليها بنظره ارسلت الرعب الى اوصالها لكنه قال:
– ما حدث ان والدي خسر عمله والسبب كان أخيه الاصغر، الذي اعتبره طوال حياته ابنه، لكن الغدر أصاب والدي من أغلى الأشخاص على قلبه، والدي لم يخسر عمله فقط ولكن فقد أيضًا العائلة التي تبقت له، العائلة التي كان يعيش من أجلها، انقلب الحال بين والداي، والدي أصبح يصرخ في وجهها كثيرًا والبيت الهادىء الذي يملئه الامان والحب، اصبح الصوت العالي، الغضب، والتوتر يغلفه، أصبحت أخشى الخروج من غرفتي، حين لا يصل الي صوت والدي وهو يصرخ بكلمات تمحي من ذاكرتي صوره البيت الهادىء، اغمض عيني بقوه واغطي أذناي حتى لا يصل الي ما يجعل الخوف يدق ابواب قلبي.
عادت الى جلستها الاولى وعيونها تحمل الكثير من الشفقه على طفل صغير، تتحول حياته من فرحه كبيرة، وأمان، وحب، الي خوف يصل حد الرعب، ومصدر هذا الخوف هم من كانوا اساس الامان والديه، موقف لا تتخيله رغم انها عاشت عمرها بأكمله لا تعلم للأمان معنى، ولا رمز، لكن كل هذا رغمًا عن والديها، لكن هو عاش هذا بسبب عائلته، أعادها من أفكارها على صوته الحزين يكمل باقي سره الكبير:
– في صباح إحدى الأيام استيقظت على أصوات كثيرة عاليه، و أشياء تتحطم غادرت غرفتي بحذر، قدماي الصغيرتان ترتعشان، واقتربت من السلم لأجد عمي يجثوا فوق جـ,ـسد والدي الذي ينزف الدماء ويقول له بغضب شديد(( – سوف أخذ منك كل شىء، قديمًا اخذت مني ابوي وبسببك أصبحت يتيمًا، واليوم جعلت إبنك يتيمًا، أخذت بثأري، لكن لتعلم انني لن ابقيه على قيد الحياه طويلًا، سوف يلحق بكم، لا تقلق))
كانت الدموع تغرق عيونها وهي تنظر الي عينيه التي تتجمع بها الدموع دون القدرة على مغادره أسـ,ـوارها، وقبضه يده التي ابيضت مفاصلها من كثره ضغطه عليها، ومن بين كل هذا أكمل:
– هل تتخيلن كم الخوف الذي شعرت به؟ هل تتخيلين احساس طفل لم يكمل عامه العاشر وهو يرى والديه مذبوحان، و الاكثر من ذلك انه معرض للخطر الان.
صمت لثوان، وكأنه لا يستطيع اكمال كلماته، لتقترب منه وجثت على ركبتيها ومدت يدها تمسك يديه وقالت برفق:
– يكفي الي هذا الحد سديم، توقف لا ترهق نفسك، غدا او في اي وقت اخر تكمل حديثك.
نظر لها و الدموع تغرق وجهه وقال بحزن:
– منذ ذلك اليوم لم ابكي، تعلمت القـ,ـسوه، تعلمت ان العالم بأكمله هو عدو لي، واصبحت حدود تلك المزرعة هي حدودي، بعد أن أخذت ثأري، وثأر والداي.
قطبت جبينها بحيره ليكمل كلماته وهو ينظر الي عمق عيونها:
– كنت أشعر بالخوف اختبىء خلف الكرسي القريب من السلم وصوت خطواته تجعلني انتفض خوفا، وحين نادا بصوت عالى كتمت صرخاتي بيدي، لكنه قال من جديد(( – اذا كنت تستطيع الهرب فلتهرب الان سديم، فإذا وجدتك انا لن تكون الامور جيده بالنسبه لك)) ثم ضـ,ـرب الارض بقدميه وكأنه يركض وقال من جديد (( – أهرب سدـ,ـيم، أهرب))، و بالفعل ركضت من مكاني و مباشرة الى غرفتي ومنها الي شباك غرفتي و بخوف شديد تمسكت بعامود المدخنه، و انزلـ,ـقت منه وبدات في الركض بكل ما استطيع حتى انني لم اهتم الي اين اركض، حتى وجدت نفسي في صحراء خاويه من كل شىء فلم اعد اتحمل كل ذلك الخوف الساكن في قلبي، وروحي التي تبكي والداي، وما وصلت له من حال فسقط بلا حول ولا قوه مغشي علي.
اخذ نفس عميق في نفس اللحظه التي وقف فيها فوكس ورفع قدميه الأماميتان ووضعهم على ذراع سديم كأنه يواسيه، يطمئنه ان كل هذا حدث وانتهى، ليبتسم سديم وهو يقول:
– حين عاد الي وعيي وجدت نفسي انظر الي عيون ذئب ضخم، أنيابه الكبيرة جعلت القشعريرة تسيل داخل جسدي،خاصه حين فتح فمه حتى يلتهمني، أغمضت عيني مستسلمًا لقدري لكن وصل الي صوت ذئب قوي ون الجه الاخرى وبعدها خيم الصمت على المكان فتحت عيوني انظر حولي بإندهاش وصدمه جعلتني اعود الي ظلام  وحدتي.
ظل يداعب فرو ذئبه الاليف وهو يبتسم إبتسامه صغيرة وأكمل:
– حين عاد وعي لا اعلم كم مر من الوقت، ولا اعلم أين انا؟ لكن كانت الصدمه من جديد حين وجدت ذئب أبيض كبير يجلس بجانبي، بل ويضع احدى قوائمه فوق ذراعي، انتفضت مبتعدا لأكتشف انني في مغارة كبيرة وبها الكثير من الذئاب، لكن لا يستطيع اي منهم الاقتراب مني، رغم الشر الواضح في عيونهم، لكن وجود ذلك الذئب الضخم جوارى، كان بمثابه شهادة ضمان لسلامتي.
ليعوي فوكس بصوت ضعيف وعاد من جديد ليتمدد اسفل قدمي سديم بأسترخاء لينظر اليها سديم بأبتسامه ليجدها تنظر الي فوكس دون خوف وبدأت في مداعبه فروه بأطراف أصابعها، و الخائن سعيد بلمساتها له، ليكمل كلماته بهدوء:
– منذ ذلك اليوم لم نفترق، اصبح فوكس صديقي الوحيد، خاصه بعد انتقامي الذي تحقق بأنياب فوكس.
لترفع عيونها تنظر اليه بصدمه واندهاش، ليقول هو موضحًا:
– كما اخذ بثأرك من تلك الكلاب البشرية، ذئب التهم بضع كلـ,ـاب دون رحمه، وكذلك سام، من قـ,ــ,ـتل يقـ,ــ,ـتل، والبقاء للأقوى، هذا هو قانون الغاب يا عزيزتي لين.
ظلت نظراتها معلقه به والصدمه ترتسم بداخلهم بوضوح، و الاكثر من ذلك احسـ,ـاسها بالغـ,ـثيان وهي تتخيل ما حدث، ليكمل كلماته شارحًا:
– فوكس لا يأكل اللحم البشري هو فقط يقـ,ــ,ـتلهم.
لتقف وركضت سريعًا مبتعدة عنه لتفرغ كل ما بمعدتها، ظل هو على جلسته و كأنه لا يهتم، لكن من داخله يتمنى ان يذهب اليها يضمها الي صدره بحنان، يطمئنها، لكن عليها ان تعتاد كل ما يحدث، ان تتقبله. و تتقبل فوكس كما هم، فحياتها أصبحت لهم.
افرغت ما بمعدتها وظلت واقفه مكانها تنظر الي الفراغ بعيون دامعه، تخيل الامر اصـ,ـابها بالغـ,ـثيان، لكن ما كان سيحـ,ـدث لها على يد هؤلاء الرجال لا تستطيع تخيله من شده صعوبته، وأيضًا ما كان سيحدث لسديم على يد عمه، إذًا ما حدث هو ما كان يجب ان يحدث دون جدال او نقاش، عادت بعد ان تأكدت من هيئتها ووقفت امامه بثبات وقالت:
– ماذا تفضل ان تتناول على الغداء؟
أبتسم ابتسامه جانبيه خطفت دقات قلبها، و سرت رعشه قويه في جسدها، خاصه حين قال:
– انت سيدة البيت، و نحن من رعاياك، سوف نتناول الطعام على ذوقك سيدتي.
رفعت راسها بغرور مصطنع وقالت:
– حسنًا إذًا من سيقشر البصل؟
ليعوي فوكس بصوت ضعيف وهو يخبىء وجه بأحد قوائمه الاماميه، و نظر سديم في الجه الأخرى وقال وهو يتوجه ببطىء الى احدى الشجيرات:
– لابدا ان اروى الزرع، انه عمل شاق.
بتضحك بصوت جعلته يتوقف مكانه، والتفت ينظر اليها بأعجاب شديد، حتى قالت بمرح:
– حسنًا حسنًا، لا اريد منكم شيء، سوف اعد كل شيء بمفردي، ولكن لن أسمح بأي اعتراض.
وغادرت متوجه الي داخل البيت، وبين يديها كوبي القهوة، لينظر سديم الي فوكس الذي إقترب منه:
– أعتقد اننا قد وجدنا حياتنا يا صديق، ولن نبقى بمفردنا.
مرت الايام بينهم فى تقارب، كل يوم الكثير من القصص التي اوضح لها فيها ما حدث معه طوال سنوات عمره، كيف عاش مع الذئاب، وكيف اعتاد عليهم، وأصبح بينهم كفرد منهم، يصطاد الذئاب الفرائس، يضـ,ـعوا له احداهما، ويوزعون الباقي عليهم، فبدء هو يتذكر ماذا كان يفعل والده حتى يشعل النار، و كم عانا و تألم، مره من الجـ,ـوع، و أخرى من البرد الشديد، حتى اعتاد المكان والحياه، وأصبح يعيش كرجل الغاب قديمًا، وحتى عاد الي مزرعة أبيه، و لكن يبقى السؤال الذي يؤرقها، كيف قـ,ــ,ـتل عمه، لم تعد تتحمل اكثر من ذلك وفي احدى الليالي وهم يجلسون امام المدفئة قالت:
– أريد ان أسألك شيئا؟
نظر لها بأهتمام وتلك الابتسامه التي لم تعد تفارق وجهه، لتقول هي مباشرة:
– كيف عدت الي هنا؟ وكيف اخذت بثأرك ممن أذاك؟ و كل ما يقال عن مزرعة الذئب ما مدى صحته؟
اعتدل في جلسته ينظر اليها بحب، تشعربه لكن لا تستطيع تصديقه، لكنها مستمتعه جدا بهذا الإحساس، ولا تريد ان تفقده يوما، ليخرجها من افكارها حين قال:
– كان عمري سبعه عشرة سنه، قررت العوده الي هنا حتى انتقم من عمي، بعد ان اشتد عودي، وأصبح لدي ذراعين و قدمين قويين، قررت مواجه سام، واستعاده مزرعة ابي الذي اخذها دون وجه حق، بدأت في جمع اغراضي البسيطه التي صنعتها بيدي خلال تلك السنوات، ولكن حين كنت على وشك المغادرة، كانت جميع الذئاب حزينه، منهم من رفض ان يقترب مني حتى يودعني، و منهم من وضع رأسه أرضًا بحزن شديد، لكن فوكس كان يقف بشموخ وثبات، ينظر الي بثبات، لم افهم وقتها هل هو يوافقني الرأي في امر الرحيل ام انه لا يريد ذلك و يريد مني العدول عن قراري، لكنني لم اكن ارى امامي سوا انتقامي لوالدي، ولما حدث معي، اغلقت عيوني عن كل شىء و تحركت راحلا حتى انني لم اهتم وقتها ورغم الم قلبي على فراقه، لم اقترب منه واودعه وكذلك هو رفض تماما الاقتراب مني، وعلى غير هدى بدأت رحله العودة، لكن ما تعلمته من الذئاب طوال تلك السنوات، جعلني اجد الطريق المناسب والصحيح، حتى بدأت انوار المدينه تظهر امام عيوني، اخذت نفس عميق محمل بعبق سنوات جميله عشتها في حضن والداي، وأيضًا رائحه الدماء تملىء أنفي، وصدري، وتزيدني رغبه في الانتقام.
تناول القليل من قهوته، ثم اكمل كلماته وعيونه ترتسم فيها الشر، و ذكرى ذلك اليوم بكل ما حدث فيه:
– كنت أسير في إتجاه المزرعة حين وصل الي صوت شخص ما يتحدث، التفت آليه لأجده يخبر شخص اخر ان سام يقيم حفله كبيرة اليوم، و انه سيعلن خطبته على إحدى الفتايات، ابتسمت ابتسامه انتصار وانا ارى ابواب الانتقام تفتح لي على مصرعيها، تسللت لداخل المزرعة، فأنا اعلم كل ممراتها وأيضا، الأماكن التي استطيع الاختباء بها، و بالفعل جلست هناك أنتظر أنتهاء الحفل، وارتب بداخل عقلي الخطوات التي سأقوم بها حتى أحقق انتقامي.
كانت نظرات الترقب والقلق تطل من عيونها، هي تعلم ان ما سيقوله حدث وانتهى ومنذ سنوات لكنها تخشى ان تكرهه، صحيح ان الغموض والخطر هو ما يحيطه الا انها اصبحت تراه بشكل مختلف، وتتمنى ان تظل جواره، كان هو بعيد تمامًا عن كل ما تفكر به، ليكمل كلماته:
– إنتهت الحفل، وذهب الجميع، وأصبحت المزرعة فارغه تمامًا الا منه هو فقط، أنتظرت نصف ساعه اخرى و تسللت الي داخل البيت، من الباب الخلفي، حين وصلت اليه علمت انه لم يستطلع كل شىء، لم يعرف اسرار المزرعة و البيت، هو فقط اهتم بالحصول على المزرعة وأموالها، ولم يهتم بتفاصيل البيت وإمكانياته المختلفة.
إتسعت ابتسامته وهو ينظر اليها واكمل قائلا:

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0