
أخذ نفس عميق، و نظر إلى الضابط وقال:
– فضلت تعيط كتير، لدرجة أني طلبت من صديق ليا طبيب نفسي أنه يديها حقنه، أو أي دوى مهدىء.
أعتدل فى جلسته و تناول القليل من الماء ثم أكمل :
– بعدها أتكلمت معاها كتير على أنها المفروض تهدى شويه، ولو هي مش مرتاحه مع الشاب ده تسيبه، و إن الحب الحقيقي هو تقبل عيوب الطرف التاني، لكن هي للأسف الشديد كانت بتحبه جدا جدا، و مش قادره تبعد عنه.
ضرب على صدره بقوه و هو يقول بحزن غاضب:
– أنا مش دكتور صغير، و لا دكتور خايب، و مش أول مره أعمل عمليات، آخر عمليه ليها كانت هي في حالة أنهيار كامل، لدرجة أنها باست أيدي علشان أعمل العمليه، لأنه هددها لو معملتش العمليه هيسيبها و هي مضت على إقرار بمسؤليتها الكامله على دخول العمليه رغم خطورتها، و كل أدارة المستشفى، و كل إللي كانوا معايا فى العمليه كمان شاهدين.
أنتهت شهادة الطبيب، ليبداء في قرأة شهادة خطيبها و الذي قال و شعر من كلماته بالبرود، و عدم الأهتمام :
– أنا مطلبتش منها تعمل عمليات، أنا كل إللي كنت بقوله أني أستحق مراتي تكون بالمواصفات إللي أنا محتاجها، و أستحقها، و بعدين أنا كنت بحبها هي إللي مقدرتش تفهم حبي ليها، و لا كمان كانت قادره تستوعب مكانتي الأجتماعيه، و إن لازم تكون على المستوى المطلوب.
ليسأله المحقق من جديد:
– إذًا أنت مطلبتش منها تعمل أي عمليات تجميل، و متنمرتش على جسمها، و زيادة وزنها
ليقول نادر بغضب كبير:
– حضرتك عايز تلزق فيا تهمه غـ,ـبائها ليه؟ هي واحده تخينه، وغبيه، و أصلاً كانت محتاجه كمان عمليه تجميل لمخها التخين يمكن كان غبائها يقل.
نفخ الطبيب بضيق و هو يشعر بكره شديد تجاه ذلك الخطيب الذي كان السبب الرئيسي وراء كل ما حدث لندى، و لكنه لا يرى أنه مذنب.
طوى الصفحه و بداء فى قرأة الصفحة الأخرى شهادة صديقه ندى المقربه
– نرمين كانت أكتر بنات شلتنا شياكه، و رقه ، و كلنا كنا بنحبها زي ما هي كده، تميزها كان فى وزنها إللي مهما لبست أي حاجة بتكون لايقه عليها، دمها خفيف، كلنا كنا بنحب نأخد رأيها في كل حاجة ، اللبس و كل المواضيع، لكن من وقت ما أتخطبت لنادر، كل حاجة أتغيرت، ندى بقت ساكته طول الوقت، سرحانه على طول،و حزينه، نادر طول الوقت كان بينتقدها، في كل حركه، لبسها، مشيتها، طريقة كلامها، وحتى طريقة أكلها ، لحد ما بقت مطفيه، و بدأت رحلة عمليات التجميل، و رغم كل ده عمره ما بطل إنتقاد، و تنمر عليها.
صمتت لثواني و كان المحقق يراقبها عن كثب خاصه حين أنحدرت دموعها على وجنتيها و هي تقول:
– اللى تعب نرمين أكتر ، والدتها. والدتها عمرها ما كانت داعم ليها، على طول كانت محسساها أن نادر أتكرم ، و أتعطف، و قبل بيها و هي تخينه، و أنها المفروض تعمل أي حاجة ، وكل حاجة علشان يفضل معاها. نرمين أوقات كتير كانت بتعيط من غير سبب، لدرجة أن مره صديقه لينا فضلت تمدح فى جمال فستانها و أنه لايق جداً مع جسمها، لكن رد فعل نرمين كان العياط ، و أوقات كتيره كانت بتفكر في الإنتحار، لكن هي كانت بتخاف جداً من ربنا، و كانت ديما تقول أكيد بعد العذاب ده كله في خير جاي أنا مش عارفاه، و أهو الخير كله إن شاء الله تلاقيه في الجنه.
أغلق الأوراق بغضب شديد و نفخ بضيق، أن التنمر بالفعل أفة المجتمع، و أصبح الجميع يتنمر، دون أن يفكر في كلماته، هل هي صحيحة، و في مكانها، أم أنها ستجرحه، ومن الممكن أن تقـ,ـتله، صدق من قال: للكلمة أثرها بالسلب أو الإيجاب، يمكن لكلمة أن تكون أساس إنجاز عظيم، أو تكون أساس هدم وأنهيار كبير.
ولأن الكلمات تترك أثرها علي النفوس قد أخبرنا الرسول ﷺ _ “إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه” ؛ وذلك يدل علي عظم شأن الكلمة فكلمة ننال بها رضوان الله وأخري ننال بسببها سخطه والعياذ بالله_ .
فالكلمة الجارحة أثرها أبلغ وأكبر من الأذى البين؛ لأن الكلمة قد يدوم أثرها بالسنين .”الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ”
فقد أختص الله تعالي الكلمات الطيبة للنفوس الطيبة فكل ما هو طيب لا يخرج منه إلا ما هو طيب وجميل، والكلمات الخبيثة للنفوس الخبيثة. ولكل منا حرية الاختيار في أي تصنيف يحب أن يكون.
نفخ بضيق و هو يغلق تلك القضية، التي أصبحت الأن سمة العصر و طبيعة من يعيش فيه، التنمر من أكثر الأمراض خطوره و علينا جميعًا محاربته
القضية الثالثه (( جنون الشهره ))
حين أنتهى من قرأة القضيتان لم يستطع أن يكمل قرأة باقي القضاية ، الأمر أصبح صعب، بل يصل لمرحلة المستحيل، ما هذا الحال الذي وصل له المجتمع، أصبح القتـ,ـل سهلاً، أصبح التنمر أسلوب حياة، قـ,ـتل الروح، الخذلان شيء طبيعي، صله الدم لم يعد لها أهميه، أغمض عينيه و السؤال يلح على عقله، كيف حال أم خالد التي فقدت ولدها الأول مقتولًا على يد أخيه ، و خسرت الأخر في سجن طويل وقد يعدم أيضا ؟ و سؤال آخر كيف حال والدة نرمين التى لم تهتم لمشاعر إبنتها، تركتها فريسه للتنمر، وفريسه لعمليات التجميل؟ و سؤال آخر جعله يشعر بالأنقباض، و بوخزة في صدره، كيف يتقبل المجتمع كل هذا الإنحدار، و ضياع الأخلاق ؟
غادر غرفته متوجهاً إلى المطبخ، حتى يعد لنفسه كوب من القهوة، عله يساعده في مواصلة قرأة باقي القضايه.
جلس من جديد خلف مكتبه، و مد يديه يفتح القضية الثالثة.
و البدايه أسوء مما يظن (( بلوجر مشـ,ـهوره يكتشفوا جثتها في بيتها و الأخبار بين الإنتـ,ـار و القـ,ـتل ))
بلوجر مصطلح جديد على مجتمعنا، و أيضاً هناك يوتيوبر، لا أحد يعلم إذا كانت هذه الأسماء وظائف، أو مصالح، أو مجرد أسماء لكسب المال السريع.
بداء في القرأة، و البداية كانت مع أقوال والدتها التي قالت
– بنتي زي كل البنات، ضحكتها كانت ماليه وشها، بتحب الهزار و الضحك، بنتي عمرها ما تنتحر يا بيه.
سألها المحقق:
– لو هي منتحرتش، تفتكري مين إللي قـ,ـتلها؟
ظلت الأن صامته لعدة ثواني ثم قالت بشرود:
– أنا هحكي لحـ,ـضرتك كل حاجة ، من سنه كده بنتي جت وقالتلي؛(( – ماما أنا قررت أبقى بلوجر.)) و الله يا بيه ما فهمت يعني أيه بلوجر دي، و لما سألتها قالتلي (( – بلوجر دي يا ماما زي البنات إللي بيطلعوا في التيك توك، و اليوتيوب، و الإنستجرام، تتكلم عن الميكب، و اللبس، أعمل مشاهد تمثيليه، أطلع ترند على أغنيه مشهورة ، و هكسب شهره ، و فلوس كتير ))
صمتت الأن من جديد و أنحدرت دموعها و من بين شهقاتها قالت:
– فضلت توريني فيديوهات كتير، مكنتش فاهمه حاجة بس قولتلها يعني هتطلعي ترقصي قدام الناس؟ قالت لأ يا ماما أرقص أيه ؟ أنا هوريكي، قامت لبست و حطت مكياج و شغلت الفيديو و بدأت تقلد المشهد، كانت جميله و رقيقة، شوفت الفيديو و عجبني، و وافقت تنزله، و ياريتني ما وافقت.
و بدأت في البكاء بصوت عالي و هي تلوم نفسها، تتهم نفسها، بأنها هي السبب فيما حدث لإبنتها، لو لم تسمح لها، لو لم توافق، أحضر لها المحقق كوب ماء و طلب منها الهدوء و إن تكمل حديثها، إذا أرادت أن تحصل على حق إبنتها، ويصلوا للقاتل.
– فيديو، ورى فيديو، و متابعين بيزيدوا، تعليقات كتير بتمدح فيها، و في جمالها، و بدأوا يطلبوا منها مشاهد معينه، أغاني ، دوتوهات، و بداء حالها يتغير الحجاب بداء يرجع لورى، و شعرها يبان، اللبس الواسع بداء يبقى ضيق، و أقصر ، شوية كمان و الحجاب أتقلع خالص، كل ده و أنا ساكته، ضحكتها، و فرحتها، الكلام إللي كانت بتيجي تقرأهولي، رأي الناس فيها، و حبهم ليها، كان بيخليني أسكت ، و إللي كان مسكتني أكتر ، هو أنى كل ما كنت أتكلم معاها، تقولي خلاص يا ماما مش هقولك على حاجة تاني، و مش هفرجك على الفيديوهات، و من التيك توك، لليوتيوب، و الفيديوهات بقت كتير، لدرجة أنها بدأت تعمل يوميات في البيت، بينها و بين أخوها ، أو هي و أصحابها .
صمتت تحاول إلتقاط أنفاسها ، أو تتذكر ما كان يحدث، لكن الحزن، الندم، و ألم كبير يسكن عمق عيونها جعل المحقق يشعر ببعض الشفقه على حالها، لكنها أكملت قائله:
– في يوم جت و قالت لي أنها بتحب، حبت ولد بلوجر زيها، و مشهور قوي، و هيعملوا دوتو سوا، و أنها بتحلم باليوم إللي يتخطبوا فيه، أيام تمر و تفوت و متابعينها بيزيدوا، و الولد ده جه البيت أتعرف علينا، و طلبها، فيديوهات كتير بينهم، يومياتهم، حبهم لبعض، الهدايا، والخروجات.

